عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

39

معارج التفكر ودقائق التدبر

* . . هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . . ؟ . هَلْ حرف استفهام يستفهم به عن حكم في قضيّة خبرية موجبة أو سالبة ، ولا يستفهم بها لتصوّر مفرد . وبعد البحث والتأمّل لا بدّ أن يقول كلّ ذي لبّ منصف جوابا لهذا السؤال : لا خالق في الوجود غير اللّه ، ولا رازق في الوجود من السّماء والأرض ، في عمليّات خلق متتابعة غير اللّه . وقد دلّت هذه العبارة القرآنية المصدّرة بأداة الاستفهام هَلْ على أنّ أعمال الرزق من السّماء والأرض الّتي يرزق اللّه بها عباده ، هي صور من صور الخلق الرّبّانيّ الّتي يجريها اللّه في كونه تباعا ، لأنّ جملة : يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ في الآية ، قد جاءت صفة لاسم الفاعل : خالِقٍ ونفهم من هذا أنّه يرزق دواما من السّماء والأرض بوصف كونه خالقا ، فالخلق يشمل الأحداث كلّها الّتي تنتج للنّاس أرزاقهم ، ومنها إرسال أشعّة الشمس ، وأحداث تبخّر المياه ، وإنزال الأمطار من السّماء ، وإنبات الزّروع والثمار . إنّ اللّه جل جلاله خالق كلّ شيء ، وخلق الرزق من آثار وظواهر رحمة اللّه بعباده ، وقد أنكر المشركون أن يكون من أسماء اللّه اسم « الرّحمن » كما جاء بيانه في سورة ( الفرقان ) فجاء في سورة ( فاطر ) متابعة البيان الإقناعيّ بأنّ الرّحمة من صفات الرّبّ الخالق جلّ جلاله وعظم سلطانه ، فلا بدّ أن يكون من أسمائه « الرّحمن » . وبعد إثبات حقيقة أن اللّه عزّ وجلّ هو وحده الخالق الرازق لا شريك له قال اللّه عزّ وجلّ في الآية : * لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . . . أي : لا معبود بحقّ إلّا الرّبّ الخالق الرازق ، الذي لا خالق ولا